ابن عربي

65

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

[ شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون وبقي أرحم الراحمين ] فيقضي سياق الكلام أن يكون أرحم الراحمين يشفع أيضا ، فلا بد ممن يشفع عنده ، وما ثمّ إلا اللّه ، فيشفع اسمه أرحم الراحمين عند اسمه القهار والشديد العقاب ، لذا يحشر اللّه المتقين يوم القيامة إلى الرحمن ليكون جليسهم ، فيزول عنهم الاتقاء ويزول عنهم حكم هؤلاء الأسماء الأخر ، فيأمن المتقي سطوة الجبار القهار ، وعلى هذا الأسلوب تأخذ الأسماء الإلهية كلها ، وهكذا تجدها حيث وردت في ألسنة النبوات إذا قصدت حقيقة الاسم وتميزه من غيره ، فإن له دلالتين : دلالة على المسمى به ، ودلالة على حقيقته التي بها يتميز عن اسم آخر . [ سورة مريم ( 19 ) : آية 86 ] وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً ( 86 ) « وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ » وهم الذين استحقوا المقام الذي ساقهم إليه ، والذي ساقهم هو عين الأهواء التي كانوا عليها « إِلى جَهَنَّمَ » وهي البعد « وِرْداً » . [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 87 إلى 91 ] لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً ( 87 ) وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً ( 88 ) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا ( 89 ) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا ( 90 ) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً ( 91 ) فانظر إلى القوة الإلهية التي أعطاها اللّه لمن أنزل عليه الوحي الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية اللّه ، فإنهم علموا قدر من أنزله ، فرزقهم اللّه من القوة ما يطيقون به حمل ذلك الجلال ، فإذا سمعوا في اللّه ما يخالف ما تجلى لهم فيه « تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً » وقد سمع ذلك أهل اللّه ورسله ، وما جرى عليهم شيء من ذلك ، لما أعطاهم من قوة العلم ، إذ لا أقوى من العلم ، فعلم أهل اللّه من رسول ونبي وولي ما لم تعلمه السماوات والأرض والجبال من اللّه ، فأنتج لهم هذا العلم باللّه قوة في نفوسهم حملوا بها ما سمعوه من قول من قال : إن المسيح ابن اللّه ، وإن عزيرا ابن اللّه ، ولم يتزلزلوا ، ولو نزل ذلك على من ليست له هذه القوة